أبي حيان التوحيدي
106
المقابسات
تجلدا ، وانتحلت القناعة رياضة ، وتألفت شارد حرصي متوقفا ، وطويت منشور آمالي متنزها ، وجمعت شتيت رجائي ساليا ، وادرعت الصبر مستمرا ولبست العفاف ضنا ، واتخذت الانقباض صناعة ، وكنت بالعلاء مجتهدا . هذا بعد أن تصفحت الناس فوجدتهم أحد رجلين : رجلا إن نطق نطق عن غيظ ودمنة ، وإن سكت سكت عن ضغن وإحنة ، ورجلا إن بذل كدر بامتنانه بذله ، وإن منع حسن باحتياله بخله . فلم يطل دهري في أثنائه متبرحا بطول الغربة ، وشظف العيش ، وكلب الزمان ، وعجف المال ، وجفاء الأهل ، وسوء الحال ، وعادية العدو ، وكسوف البال . متحرقا من الحنق على لئيم لا أجد مصرفا عنه ، متقطعا من الشوق إلى كريم لا أجد سبيلا اليه ، حتى لاحت لي غرة الأستاذ . فقلت : حل بي الويل ، وسال بي السيل ! أين أنا عن ملك الدنيا ، والفلك الدائر بالنّعمى ؟ ! أين أنا عن مشرق الخير ومغرب الجميل ؟ ! أين أنا عن بدر البدور ؛ وسعد السعود ؟ ! أين أنا عمن يرى البخل كفرا صريحا ، والافضال دينا صحيحا ؟ ! أين أنا عن سماء لا تفتر عن الهطلان ، وعن بحر لا يقذف إلا باللؤلؤ والمرجان ؟ ! أين أنا عن فضاء لا يشق غباره ، وعن حرم لا يضام جاره ؟ ! أين أنا عن منهل لا صدر لفرّاطه ، ولا منع لورّاده ؟ ! أين أنا عن ذوب لا شوب فيه ، وعن صدد لا حدد دونه ؟ ! بل أين أنا عمن أتى بنبوة الكرم ، وإمامة الافضال ، وشريعة الجود ، وخلافة البذل ، وسياسة المجد ؟ بشيمه مشيمة البوارق ، ونفس نفيسة الخلائق ؟ ! أين أنا عن الباع الطويل والانف الأشم ، والمشرب العذب ، والطريق الأمم ؟ ! لم لا أقصد بلاده ؟ لم لا أقدح زناده ، لم لا أنتجع جنابه وأرعى مراده لم لا أسكن ربعه ، لم لا أخطب جوده واعتصر عنقوده ؟ لم لا أستمطر سحابه لم لا أستسقى ربابه ، لم لا أستميح نيله ، وأستسحب ذيله ، ولا أحج كعبته ،